أي حكومة للمرحلة المقبلة؟ من تغيير الوجوه إلى إدارة التغيير
عبد الرحيم مجتهد/مهندس دولة
تدخل الحياة السياسية المغربية مرحلة جديدة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهي مرحلة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية النتائج الانتخابية وترتيب الأحزاب، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بما ينتظره المواطن المغربي من الحكومة المقبلة، وبما تفرضه التحولات التي يعرفها المغرب والاستحقاقات الكبرى التي تنتظره.
إن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات يضعه أمام مسؤولية سياسية جديدة، ليس فقط باعتباره الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما باعتباره الطرف الذي سيكون مطالباً بالمساهمة في بناء أغلبية حكومية قادرة على الاستجابة للمرحلة المقبلة.
لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيشارك في الحكومة؟ بل قبل ذلك: أي حكومة يحتاجها المغرب اليوم؟
أولاً: حكومة تشخص الواقع وتحدد الأولويات
المنطق السليم يقتضي أن يبدأ التفكير في الحكومة من تشخيص الواقع والانتظارات، وليس من توزيع الحقائب الوزارية.
فالمواطن المغربي، وخاصة الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، ينتظر حلولاً ملموسة لمشاكل القدرة الشرائية، والشغل، والصحة، والتعليم، والسكن، والنقل، وجودة الخدمات العمومية، والتنمية المجالية.
لذلك ينبغي أن تبدأ الحكومة المقبلة بتحديد الأولويات الوطنية، وتحويلها إلى أهداف واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ ونتائج يمكن قياسها.
وبدلاً من البدء بالسؤال عن الحزب الذي سيحصل على هذه الوزارة أو تلك، ينبغي أولاً تحديد ما يحتاجه المغرب، ثم تحديد الهيكلة الحكومية القادرة على الاستجابة لهذه الحاجات، وبعد ذلك اختيار الكفاءات المناسبة.
وبعبارة واضحة:
تحديد الأهداف، ثم تحديد الوسائل، ثم اختيار الكفاءات، ثم توزيع المسؤوليات.
ثانياً: تحالف سياسي منسجم وكفاءات مناسبة
لا ينبغي أن يكون التحالف الحكومي مجرد عملية حسابية لجمع المقاعد وتشكيل أغلبية عددية، بل ينبغي أن يقوم على برنامج حكومي مشترك، وانسجام في الرؤية، والتزام واضح بنتائج محددة.
كما أن اختيار الوزراء لا ينبغي أن يخضع للانتماء الحزبي وحده أو لمنطق توزيع الحقائب، وإنما لمعايير الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار والتنسيق وتحقيق النتائج.
ولا يعني ذلك إقصاء كل من تحمل مسؤولية في الحكومة السابقة، فالتجربة والخبرة قد تكونان قيمة مضافة. غير أن استمرار أي مسؤول ينبغي أن يكون مبنياً على تقييم موضوعي لأدائه، وعلى قدرته على تقديم قيمة مضافة للمرحلة المقبلة.
فالمطلوب ليس تغيير الأشخاص لمجرد التغيير، وإنما وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
ثالثاً: تغيير الإدارة
إن تغيير الوزراء وحده لا يعني بالضرورة تغيير طريقة عمل الدولة.
فالسياسات العمومية لا ينفذها الوزراء وحدهم، وإنما توجد وراء كل وزارة منظومة واسعة من المسؤولين الإداريين والمديرين والكتاب العامين ورؤساء المؤسسات والمصالح والمسؤولين الترابيين.
ويمكن وصفهم مجازاً بـ «الفاعلين غير المرئيين» في الإدارة؛ فهم لا يظهرون دائماً في الواجهة السياسية، لكن أداءهم يؤثر مباشرة في نجاح أو تعثر السياسات العمومية.
لذلك ينبغي أن يمتد الإصلاح إلى طريقة اختيار وتقييم المسؤولين الإداريين، على أساس الكفاءة والنتائج والقدرة على التنفيذ والابتكار وحسن تدبير المال العام.
كما ينبغي الانتقال من ثقافة الإجراءات إلى ثقافة النتائج: لكل برنامج أهداف واضحة، وآجال محددة، وميزانية معروفة، ومسؤول محدد، ومؤشرات لقياس التنفيذ والأثر.
وبذلك يصبح من المشروع أن يسأل المواطن:
ماذا تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ ومن المسؤول؟ ومتى سيتم استكماله؟
رابعاً: حكومة تدير الأوراش الكبرى
تزداد مسؤولية الحكومة المقبلة بالنظر إلى أن ولايتها ستتزامن مع مرحلة حاسمة من الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 الذي سيحتضنه المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
فهذا الاستحقاق ليس مجرد حدث رياضي، بل ورش وطني واسع يشمل البنيات التحتية، والنقل، والمطارات، والملاعب، والسياحة، والصحة، والأمن، والرقمنة، والتهيئة الحضرية، والبيئة والخدمات العمومية.
كما يتطلب تنسيقاً قوياً بين مختلف القطاعات والمؤسسات والجماعات الترابية.
ومن ثم، تحتاج المرحلة إلى حكومة قادرة على العمل بمنطق المشروع الوطني المشترك، وليس بمنطق القطاعات الوزارية المنفصلة.
كما ينبغي ألا يُنظر إلى مونديال 2030 باعتباره موعداً ينتهي بانتهاء المنافسات، بل باعتباره فرصة لبناء إرث وطني دائم. فالملاعب والمطارات وشبكات النقل والبنيات السياحية والتهيئة الحضرية والتحول الرقمي يجب أن تستمر في خدمة المواطن والاقتصاد الوطني بعد سنة 2030.
خامساً: حكومة تعيد بناء الثقة
إن التغيير الذي ينتظره المغاربة لا ينبغي أن يختزل في تغيير أسماء الوزراء أو إعادة توزيع الحقائب بين الأحزاب.
التغيير الحقيقي هو تغيير في طريقة التفكير، وطريقة اختيار المسؤولين، وأسلوب اتخاذ القرار، وعلاقة الإدارة بالمواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.
إن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات يمنحه موقعاً سياسياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه يحمّله مسؤولية كبيرة في التفكير في شكل الأغلبية المقبلة، وفي طبيعة الحكومة التي يمكن أن تستجيب لتحديات المرحلة.
وعليه أن يجعل من اختيار شركائه الحكوميين والوزراء والمسؤولين الإداريين جزءاً من رؤية متكاملة، لا مجرد تسوية بين المكونات السياسية.
فالحكومة الناجحة ليست التي تضم أكبر عدد من الوزراء أو الأحزاب، وإنما التي تعرف ماذا تريد أن تحقق، وكيف ستحققه، ومن يستطيع تحقيقه، وكيف ستقيس النتائج.
إن المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة، بل إلى حكومة مصممة وفق حاجات المرحلة؛ حكومة تجعل الكفاءة أساساً للاختيار، والنتيجة معياراً للاستمرار، والمواطن محوراً للسياسات العمومية.
وهنا يكمن جوهر التغيير الحقيقي: ليس تغيير الأشخاص من أجل التغيير، وإنما تغيير طريقة التسيير بما يجعل الدولة أكثر فعالية، والإدارة أكثر كفاءة، والسياسات العمومية أكثر تأثيراً في حياة المواطنين.
