باك بطعم الشواء
الدكتورة رجاء صالحي
لعيد الأضحى، أو “العيد الكبير” كما يحلو للمغاربة تسميته، طقوسه الخاصة التي لا تشبه أي مناسبة أخرى؛ مصليات تصدع بالتكبيرات، وأزقة تمتلئ بأطفال يرتدون ملابس تبدو مقاساتها، في الغالب، أكبر منهم بقليل، تدخل العائلات قبيل ذلك بأيام في حالة تأهب جماعي لا يهدأ: سكاكين وسواطير تُشحذ، توابل تُطحن، غرف تُنظف، وأوانٍ وأباريق تُجهّز، زحام في المتاجر والأسواق لاقتناء “المشاوي” و“السياخ” و“المجامر”، وكأن تلك المكدسة منذ أعوام فقدت صلاحيتها فجأة، وكأن العيد يأتي مرة واحدة ولن تتكرر.
في ظل هذه الأجواء، أبى ضيف ثقيل إلا أن ينغّص بهجة العيد، ويطارد المقبلين على البكالوريا أينما حلّوا وارتحلوا، فتسلل إلى كل زاوية من زوايا المنزل، ليذكرهم أن الفرحة ليست من حقهم وان نصيبهم من المتعة منقوصا والسعادة مؤجلة لموعد لاحق، إنه الامتحان الوطني، هذا البعبع الذي أصبح يرهب الأمهات والآباء قبل الأبناء. وهذه السنة استثناء تقاطع موعده مع الاحتفال بالعيد….فاختلطت الفرحة بالقلق وامتزجت البهجة بالترقب والتوجس…
بين وهج الجمر وقلق الحبر
إن التداخل بين العيد والامتحان لم يعد مجرد مصادفة مزعجة في التقويم، بل تحوّل عند كثير من التلاميذ إلى حالة يعيشونها بكل تفاصيلها الصغيرة. فالدروس لم تعد حبيسة الكراسات والملخصات، فبدأت تظهر وسط البيت نفسه؛ بين الضجيج، والتحضيرات، ورائحة التوابل، ودخان الفحم، وكأن الامتحان أصرّ هذه السنة أن يحضر العيد بدوره، كفرد غير مرحب به يجلس في كل زاوية ويشارك الجميع تفاصيل اليوم.
وسط هذا الصخب، لم يبق درس “الشخص والهوية” مجرد فكرة فلسفية بعيدة؛ فالخروف الذي كان قبل ساعات يتحرك ويثغو ويبدو كائنا واحدا متماسكا، يتحول فجأة إلى “رأس ودوّارة وكرعين” وقطع لحم موزعة بعناية. هنا يخرج السؤال الفلسفي من الكتاب إلى المطبخ مباشرة: ما الذي تغير؟ وما الذي بقي كما هو؟ وهل يبقى الشيء نفسه بعد أن يتغير شكله بالكامل؟ فجأة، تصبح الهوية شيئا يُفهم بالساطور أكثر مما فهم على السبورة وبالطبشور.
ومع هذا التحول الغريب، يبدأ درس “الحق” هو الآخر في الظهور بطريقة مختلفة. لا يعود التلميذ منشغلا كثيرا بالحق الطبيعي أو الحق الوضعي كما في المقرر، بل بحق أبسط من ذلك كله: حقه في أن يعيش العيد دون أن يتحول كل لقاء عائلي إلى سؤال عن الامتحان. “واش واجد؟”، “شحال بقا ليك؟”، “كل وسير تحفظ؟”. حتى الحيرة البسيطة في اختيار أكلة اليوم الأول، بين “الكسكس بالسبع خضر” و“الكتف المشوي”، تصبح أحيانا أصعب من الاختيار بين السؤال أو القولة أو النص في امتحان الفلسفة نفسه.
وحين يحاول أن ينسى كل هذا قليلا، تعيده الفيزياء من جديد إلى القلق؛ فالجاذبية لم تعد مجرد قانون عند نيوتن، بل شيئا يشده كل مرة نحو المكتب والملخصات كلما حاول أن يعيش أجواء العيد بشكل عادي. أما “السقوط الحر”، تجاوز كونه درساً في الحركة، ليصير حالة تشبهه تماماً وهو يشعر أنه يهوي بسرعة نحو قاعة الامتحان دون أن يملك وقتا كافيا لالتقاط الأنفاس.
وحتى الرياضيات، تدخل هي الأخرى إلى تفاصيل العيد بطريقة ساخرة؛ فيجد المترشح نفسه تائها بين “الدالة” و“الدوّارة”، بين التجريد والقديد، بين المعادلات وأحشاء الخروف. فالاحتمالات لم تعد مرتبطة بصناديق الكرات والأرقام، بل بسؤال آخر أكثر استعجالا داخل البيت: كم احتمالات أن تصنع من “الدوّارة” تقلية وكم هو احتمال أن تتحول إلى كرداس؟
وفي وسط كل هذا، تخرج الوراثة من صفحات علوم الحياة والأرض لتجلس بدورها حول المائدة. فـ“الصردي” و“البركي” لا يعودان مجرد أمثلة في درس السلالات، بل يتحولان إلى موضوع نقاش عائلي كامل، يستحضر الناس فيه مندل وقوانينه دون أن يشعروا.
بين تصاعد الدخان وضغط الامتحان
المترشح الأدبي يعيش القلق نفسه، إذ في الوقت الذي يحاول حفظ أسباب الحربين العالميتين ونتائجهما، يجد نفسه وسط حرب يومية أخرى لا تقل توترا؛ معركة صغيرة بين من يريد “المحمر”، ومن يدافع عن “المفور”، ومن يرى أن “الكسكس” هو الحل الوحيد القادر على إرضاء الجميع. وحتى “الحرب الباردة” تذوب في حرارة جمر مشتعل داخل مطبخ مزدحم في يوم العيد.
وإذا كانت اللغة العربية تتحدث عن “انبعاث الشعر العربي”، فإن التلميذ لا يرى حوله سوى انبعاث الأدخنة في كل مكان؛ دخان الفحم، ودخان رأسه المتعب من السهر والتفكير في ورقة الامتحان.
وهكذا، يقضي المترشح أيام العيد ممزقا بين عالمين، صلة الرحم والمراجعة، تقليب الشواء وتقليب الملخصات، صوت الضحك العالي يملأ المكان، وصوت خافت في الأعماق يناديه: “خاصك تمشي تراجع”. لا هو عاش فرحة العيد كاملة، ولا هو راجع دروسه كما كان يريد. وحتى اللقمة، وهي في طريقها إلى جوفه، تتوقف أحيانا في حلقه بوخزة ضمير مفاجئة، وصوت داخلي يهمس له: ليتها كانت دالة حسبت نهايتها، أو نصا حللته و ناقشته، أو إنشاءً في اللغة الإنجليزية أنجزته بدل هذه الدقائق المسروقة من المراجعة.
وحين تنتهي أيام العيد، وينسحب الدخان ببطء، ويخبو أثر الجمر في الموقد، تستعر نار القلق من الامتحان التي تواصل التهام ما تبقى من فرحة العيد.
