اللاقابلية للقراءة
محمد تكناوي
تاريخية المكتوب لاتقوم على مجرد تواجد النص، ولكن على تعرف القارئ به وهو ما يعني أن القراءة ليست رديفًا للكتابة، ولا فعالية تابعة لها، بل هي علاقة تقوم على أساس حوار متبادل بين الكاتب والقارئ،
وإلى جانب هذه العلاقة المتميزة ، هناك نوع من اللقاء السري بينهما، نوع من الاجتماعات الممنوعة و التحريض المباشر، ولهذا السبب عد عمل الكتابة وفعل القراءة خطيرين أحيانا ، فقامت ضدهما مقصات الرقابة، وكان الحريق هو الإجابة المفضلة في مرات عديدة، واعتبر الحرق بمثابة “جرائم تطهير ثقافي” وإلغاء لكل المعالم الثقافية والفكرية التي كانت تؤثث مراحل تاريخية معينة.
فقد تم إحراق أعمال الفيلسوف الافريقي القديم ” بروتاجوراس” في اثينا، وقام جلاد باريس يقذف مؤلفات ” فولتير” في اللهب، واكره ابيلار في القرن الثاني عشر على أن يقذف كتابه بيديه في النار، وحكم بحرق قراطيس ” ابن حزم القرطبي”،خلال حياته، فخلذ هذه الواقعة في قصيدة يقول فيها:
دعوني من إحراق رق وكاغد..وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي..تضمنه القرطاس إذ هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي..وينزل إن أنزل ويدفن قبري
وبعد وفاة دانتي أحرق أحد الكرادلة كوميدياه، و استغرق الجدل العقيم 150 سنة، من أجل الاعتراف بها، وحينئذ فقط أمكن تطويل العنوان ليصبح “الكوميديا الإلهية” بدل ” الكوميديا” فقط كما وضعه “دانتي”، ولقد مثلت لائحة الكتب المحرمة أداة بيد الحركة المناهضة لإصلاح الكنيسة في أوروبا الوسيطة.
وفي العصر الفكتوري ببريطانيا تقيدت حرية القراءة وبقيت وقفا على البالغين طبقا لجملة من القواعد الأخلاقية وضعها بودنساب.
التاريخ يحدثنا عن إعلان الكنيسة الكاثوليكية في عهد “البابا باولو الرابع” عن “قائمة الكتب الممنوعة” سنة 1559 لأنها “هرطقة” ضد الإيمان والأخلاق… ومن بينها كتاب الأمير لميكيافيلي وقصص Decameron … وغيرها…
وأصبحت هذه القاعدة بمثابة معيار قانوني كحكم نهائي على الكتاب وقد امتدت وطالت رواية “ديفيد هربرت لورنس” عشيق الليدي تشارتلي التي قدمت مع مؤلفها إلى محكمة المجرمين المركزية بلندن.
التاريخ يحدثنا أيضا عن وزير البروباغندا النازي “جوزيف غولبس” وكيف وقف مفتخرا ذات ليلة من سنة 1933 بعملية إحراق أكثر من 20 ألف كتاب يتعارض مضمونها مع الفكر النازي، وعلى رأسهم كُتُب كارل ماركس وبيرتولد بريخث وهامينغواي وجاك لندن وطوماس مان وأيريش كاستنر وكافكا… .
حدث هذا ومثيله للحيلولة دون اللقاء بين الكاتب والقارئ، أو بالأحرى لطمس العلاقة بينهما. وتحويلها إلى علاقة سطحية، تتم فيها عمليتان منفصلتان، الكتابة المستقلة تماما عن القراءة، أو ما طلق عليه احد النقاد ” اللاقابيلة للقراءة”.
