قلعة السراغنة-الرحامنة: حين تُختزل ذكرى ثورة الملك والشعب في أنشطة بلا إشعاع

قلعة السراغنة-الرحامنة: حين تُختزل ذكرى ثورة الملك والشعب في أنشطة بلا إشعاع

رشيد غازي

في الوقت الذي يفترض أن تشكل فيه ذكرى ثورة الملك والشعب مناسبة وطنية لاستحضار صفحات مشرقة من تاريخ المغرب واستعادة تضحيات رجال ونساء المقاومة والتحرير، يطرح تخليد النيابة الإقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لقلعة السراغنة والرحامنة للذكرى الـ73 لثورة الملك والشعب الخالدة، أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الأنشطة المنظمة ومدى قدرتها على تحقيق الغاية المرجوة منها.

فقد احتضن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بقلعة السراغنة أنشطة تخلّد هذه المناسبة، غير أن المتابع للشأن المحلي لا يسعه إلا أن يلاحظ أن المناسبة مرت في أجواء اتسمت، حسب الانطباعات المتداولة، بضعف الإشعاع والتواصل، وكأن الأمر يتعلق بموعد إداري عابر، لا بذكرى وطنية تحمل رمزية تاريخية كبيرة.

أنشطة بروتوكولية

إن تخليد ذكرى ثورة الملك والشعب لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم نشاط بروتوكولي أو مناسبة محدودة الحضور، ثم إسدال الستار عليها دون نقاش أو تواصل أو إشراك فعلي للمهتمين بالذاكرة الوطنية.

فالذاكرة التاريخية لا تُصان بالصمت، وإنما بالتعريف بها، وبفتح أبواب المؤسسات أمام الباحثين والإعلاميين والشباب وفعاليات المجتمع المدني، وتنظيم لقاءات وندوات ومعارض وشهادات حية تستعيد محطات المقاومة وتربط الماضي بالحاضر.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه: أين هو الإشعاع الحقيقي لهذه المناسبة؟ وأين هو التواصل مع الرأي العام المحلي؟

غياب التواصل

المشكل لا يتعلق فقط بطبيعة الأنشطة، وإنما كذلك بطريقة التواصل حولها. فحين تغيب المعلومة، ويصعب على الصحافة والمهتمين الوصول إلى البرنامج والمعطيات المتعلقة بالمناسبة، تصبح المؤسسة المنظمة مطالبة بتقديم توضيحات حول هذا الانغلاق التواصلي.

لقد أصبح التواصل المؤسساتي اليوم جزءً لا يتجزأ من نجاح أي نشاط عمومي. ونشر البرنامج، وإخبار وسائل الإعلام، وإتاحة المعطيات الأساسية، وفتح المجال أمام التغطية الصحفية، ليست امتيازات، بل من أبسط شروط إشعاع المناسبات ذات الطابع الوطني.

أما التكتم أو الاكتفاء بتواصل محدود، فيجعل المناسبة تبدو وكأنها شأن داخلي، بينما هي في جوهرها ذاكرة جماعية تخص جميع المغاربة.

الذاكرة الوطنية مسؤولية جماعية

إن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، باعتبارها مؤسسة معنية بحفظ الذاكرة الوطنية والتعريف بها، مطالبة أكثر من غيرها بجعل فضاءات الذاكرة مؤسسات حية ومفتوحة على محيطها.

وفي قلعة السراغنة والرحامنة، حيث تزخر المنطقة بصفحات من تاريخ المقاومة ورجالاتها، كان من الممكن أن تشكل هذه المناسبة فرصة حقيقية لإعادة اكتشاف هذا التاريخ، وإشراك المدارس والجامعات والجمعيات والباحثين والإعلام المحلي، بدل الاكتفاء بأنشطة محدودة لا تترك أثراً واضحاً في الوعي الجماعي.

النقد من أجل التصحيح

الانتقاد هنا لا يستهدف الأشخاص، ولا ينتقص من قيمة المناسبة الوطنية أو من تضحيات المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وإنما يرمي إلى طرح سؤال مشروع حول مدى نجاعة أساليب تخليد الذاكرة الوطنية محليا.

فالاحتفاء الحقيقي بالمقاومين لا يكون فقط بالكلمات والمراسم، وإنما بجعل تاريخهم حاضرا في المدرسة والشارع والإعلام وفضاءات الثقافة، وبإعطاء المواطن حقه في المعرفة والاطلاع والمشاركة.

لقد آن الأوان للانتقال من تخليد المناسبات إلى صناعة الذاكرة؛ ومن أنشطة مناسباتية محدودة الإشعاع إلى برامج ثقافية وتاريخية مستمرة، ومن التواصل الانتقائي إلى تواصل مؤسساتي مفتوح وشفاف.

فثورة الملك والشعب أكبر من أن تُختزل في نشاط عابر، وذاكرة المقاومة أكبر من أن تُحاصر داخل جدران فضاء للذاكرة.