مراكش فضاء رائد للاقتصاد الدائري للماء
عبد الرحيم مجتهد
احتضنت مدينة مراكش، يومي الأربعاء والخميس 15 و16 أبريل، دورة تكوينية إستراتيجية حول الاقتصاد الدائري للماء، شكلت محطة مهمة في مسار التفكير الوطني بشأن التدبير المستدام للموارد المائية.
وقد نظمت هذه الدورة في إطار مشروع “الاقتصاد الدائري للماء في الوسط الحضري”، ضمن شراكة مؤسساتية بين الوكالة الألمانية للتعاون الدولي “GIZ المغرب”، ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بدعم من الوزارة الفيدرالية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ). واحتضن مركز MTech – Mayden MAvenue هذه التظاهرة، بمشاركة فاعلين رئيسيين من بينهم Dorsch Impact-NOVEC وجامعة يوروميد بفاس.
نحو نموذج دائري لتدبير الماء
تمحورت أشغال هذه الدورة حول مفهوم 5R للماء (التقليل، إعادة الاستعمال، إعادة التدوير، الاسترجاع، الاستصلاح)، باعتباره إطارا جديدا لتجاوز محدودية النموذج التقليدي القائم على الاستغلال الخطي للموارد.
ولم يعد الهدف يقتصر على تعبئة الموارد، بل أصبح يرتكز على تعظيم قيمة كل قطرة ماء عبر أنظمة متكاملة ودائرية. وفي هذا السياق، تم عرض أحدث التقنيات، من بينها المعالجة المتقدمة للمياه العادمة (MBR، SBR)، إضافة إلى الحلول القائمة على الطبيعة.
كما أبرزت المداخلات أهمية التحول الرقمي، من خلال استعمال أجهزة الاستشعار الذكية، وأنظمة المراقبة (SCADA)، والذكاء الاصطناعي، بما يتيح تدبيرا استباقيا وفعالا للشبكات المائية.
إجهاد مائي وتحديات مناخية متزايدة
أكد المشاركون أن المغرب يواجه إجهادا مائيا بنيويا، تفاقم بفعل سنوات متتالية من الجفاف. ورغم التساقطات الاستثنائية المسجلة سنة 2026، فإنها لا تخفي الاتجاهات العامة المرتبطة بالتغير المناخي، من ارتفاع درجات الحرارة إلى تذبذب التساقطات وتزايد الظواهر القصوى.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية تقليص الفاقد المائي، خاصة المياه غير المفوترة التي قد تتجاوز نسبا كبيرة في بعض المدن، مما يشكل رافعة أساسية لتحسين النجاعة المائية.
الترابط بين الماء والطاقة: تحديات وفرص
من بين المحاور الأساسية التي نوقشت، العلاقة الوثيقة بين الماء والطاقة. فبينما يشكل تحلية مياه البحر حلا استراتيجي، فإنه يطرح تحديات مرتبطة بالكلفة الطاقية.
في المقابل، تم التأكيد على إمكانات إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وكذا استرجاع الطاقة داخل الشبكات، كحلول مستدامة ومكملة.
أدوات اقتصادية لدعم التحول
تناولت الدورة كذلك الجوانب الاقتصادية المرتبطة بتدبير الماء، حيث تم التطرق إلى آليات التسعير التي ينبغي أن توازن بين العدالة الاجتماعية والنجاعة البيئية والاستدامة المالية.
كما تم عرض نماذج تمويل مبتكرة، مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، والسندات الخضراء، وآليات الأداء مقابل الخدمات البيئية. إلى جانب ذلك، تم تقديم أدوات دعم القرار مثل WEAP وLEAP، التي تمكن من محاكاة السيناريوهات وتوجيه السياسات العمومية بشكل أفضل.
مقاربة شمولية تضع الإنسان في صلب الاهتمام
لم تغفل هذه الدورة البعد الاجتماعي، حيث تم التأكيد على أهمية إدماج مقاربة النوع الاجتماعي، خاصة في ظل تفاوت تأثير ندرة المياه بين الفئات والمجالات.
وأبرزت النقاشات أن نجاح الانتقال نحو الاقتصاد الدائري للماء لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل أيضاً على سلوكيات المستعملين ومدى انخراطهم في هذا التحول.
نحو سيادة مائية مستدامة
في ختام هذه الدورة، برزت قناعة مشتركة مفادها أن الاقتصاد الدائري للماء يمثل خيارا إستراتيجيا لا محيد عنه لمواجهة التحديات المستقبلية.
ومن خلال الجمع بين الابتكار التكنولوجي، والآليات الاقتصادية، والحكامة التشاركية، يضع المغرب أسس نموذج جديد لتدبير الماء، قائم على الاستدامة والمرونة، ويعزز سيادته المائية على المدى الطويل.
