اضغط على هذا الزر يختفي الأستاذ!

اضغط على هذا الزر يختفي الأستاذ!

الدكتورة رجاء صالحي

والأستاذ يتجول بين صفوف التلاميذ، يتفقد الدفاتر أو يراقب إنجاز التمارين، قد تقع عيناه على عبارة مكتوبة فوق طاولة: «اضغط هنا يختفي الأستاذ».

هي في الحقيقة ليست عبارة جديدة. فقد ظلت تظهر منذ سنوات على طاولات الأقسام وفي زواياها وبين جدرانها. يكتبها تلميذ عابر، فيرسم زرا صغيرا أو سهما يشير إلى مكان الضغط، وكأنه يترك لمن يأتي بعده فرصة لتجريب الاختراع.

هذا النوع من الكتابات المدرسية استأثر باهتمام باحثين في علم النفس والاجتماع والسيميائيات، باعتباره شكلا من أشكال التعبير عن الذات والعلاقة بالمؤسسة والفضاء المدرسي. ومن بين الباحثين المغاربة الذين تناولوا الظاهرة أحمد شراك في كتابه «الغرافيتيا أو الكتابة على الجدران المدرسية: مقدمات في سوسيولوجيا الشباب والهامش والمنع والكتابة».

غير أن ما يستوقفني في هذه العبارة ليس مجرد وجودها، بل قدرتها على الاحتفاظ بمعناها رغم مرور السنوات. بل لعلها اكتسبت اليوم دلالة إضافية. فالزر الذي كان التلميذ يتخيله لاختفاء أستاذه يشبه كثيرا ما اعتدنا فعله أمام الشاشات: نتجاوز ما لا يعجبنا، ونخفي ما لا نرغب في رؤيته، وننتقل إلى غيره دون حاجة إلى تفسير أو انتظار. ضغطة واحدة تكفي.

ولعل المفارقة أن ما كان التلميذ يتخيله على طاولة القسم أصبح ممكنا بالفعل في العالم الافتراضي. هناك، لا يحتاج الأمر إلى رسم زر أو تحديد موضع الضغط؛ يكفي إغلاق النافذة، أو الانتقال إلى فيديو آخر، أو تجاوز المحتوى الذي لا يثير الاهتمام.

يستطيع المتلقي أن يتجاوز الأستاذ كما يتجاوز إعلانا لا يرغب في مشاهدته، أو مقطعا لم يعد يستوقفه. وحتى الأستاذ الذي اختار الانتقال إلى التعليم الرقمي، وصار يقدم دروسه عبر يوتيوب أو تيك توك أو منصات التعليم عن بعد، لم يعد بمنأى عن هذا الاحتمال. فالتلميذ يستطيع أن يوقف الشرح، أو يسرع عرضه، أو يغادر الحصة الافتراضية دون أن يضطر إلى تقديم أي تبرير. هنا لم يعد اختفاء الأستاذ مجرد أمنية يكتبها التلميذ على طاولة، بل صار فعلا تتيحه الواجهة الرقمية، حيث يمكن تجاوز الأستاذ ومحتواه بضغطة واحدة، تماما كما يمكن الانتقال من نافذة إلى أخرى بحثا عما هو أكثر إثارة أو اختصارا.

أما الأستاذ في القسم، فلا يزال مصرا على الحضور إلى الحصة، يشرح الدرس، يطرح الأسئلة، ويعيد الشرح حين لا يجد استجابة. وقد يواصل حديثه بينما انصرف بعض تلاميذه بأذهانهم إلى أماكن أخرى، تاركين له مهمة استعادة انتباههم من جديد.

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن التلميذ لا يتمنى دائما اختفاء الأستاذ لمجرد أنه مطالب بالانتباه أو إنجاز التمارين. فقد يكون الأستاذ نفسه سببا في رتابة الحصة، حين يسترسل في شرح لا يثير الاهتمام، أو يتعامل بتسلط يجعل حضوره مرتبطا بالأوامر والزجر أكثر مما يرتبط بالتعلم والتفاعل. هناك حصص يبدو فيها الوقت أطول مما هو عليه، ليس بسبب صعوبة الدرس وحدها، بل أيضا بسبب الطريقة التي يقدم بها. لذلك، ليس كل زر اختفاء تعبيرا عن كسل التلميذ؛ فقد يكون أحيانا احتجاجا ساخرا على حصة لم تنجح في استمالة انتباهه.

ولنكن أكثر صدقا، فكم هي عديدة تلك المرات التي يتمنى فيها الأستاذ بدوره تحقيق أمنية التلميذ، وأن يختفي فعلا! ليس بالضرورة هروبا من التلاميذ، بل من مشاهد يومية تستنزف جهده وتضعه أمام أسئلة لا يجد لها إجابات سهلة. فكيف يمكنه أن يواصل درسه دون أن يستوقفه ما يصادفه من أخطاء وتعثرات تبدو أحيانا أكبر من مجرد هفوات عابرة؟ تلميذ في مستوى إشهادي لا يزال يخلط بين التاء المربوطة والتاء المبسوطة، وآخر يتلعثم في قراءة نص يفترض أن يكون قادرا على فهمه وتحليله ومناقشته، وغيرهما يعجز عن إنجاز عمليات حسابية أولية أو توظيف قواعد رياضية يفترض أنه اكتسبها في مستويات سابقة. ولا تقف هذه التعثرات عند حدود اللغة والرياضيات، بل تمتد إلى مواد دراسية أخرى، حيث تظهر صعوبات في الفهم والاستيعاب والربط بين المعارف.

ثم إن عليه أن يفعل كل ذلك داخل قسم قد يتجاوز الأربعين تلميذا، وفي ظل مقرر طويل وغلاف زمني محدود، مع ما يرافق التدريس من تصحيح وتقويم ومهام تربوية وإدارية. وحتى الامتحان، الذي يفترض أن يكون لحظة لتقييم التعلمات، قد يتحول أحيانا إلى حصة طويلة من اليقظة ومراقبة محاولات الغش، حيث يصبح الأستاذ مطالبا بتوزيع انتباهه بين أوراق الاختبار وكل ما يجري داخل القاعة.

في هذه الظروف، قد تراوده رغبة عابرة في أن يعفى لبعض الوقت من كل هذه المطالب. لكنه يعود إلى السبورة، ويستأنف الشرح، ويحاول مرة أخرى. فثمة التزام مهني لا يسمح له بأن يترك الحصة لمجرد أنه تعب منها، وضمير يقظ يذكره بأن وراء كل ذلك تلاميذ ما زالوا في حاجة إلى من يشرح لهم، ويتابع تعثراتهم، ويمنحهم فرصة أخرى للتعلم. وكأن بينه وبين الاختفاء خصومة قديمة.

ربما لم يكن صاحب العبارة يفكر في كل هذه التفاصيل حين رسم زره الصغير فوق الطاولة. وربما كان يريد فقط أن يتخلص من حصة لم يكن يرغب في متابعتها. لكن السنوات مرت، وبقي الزر في مكانه، فيما ازدادت أسباب الضغط عليه. وبينما لا يزال التلاميذ يتخيلون ضغطة تختفي معها وجوه الأساتذة، وقد أصبح بإمكانهم فعل ذلك فعليا في العالم الافتراضي، قد يكون من حق الأستاذ، بعد كل هذا العناء، أن يتخيل زرا معاكسا، يضغط عليه فيعود التلميذ إلى الحصة، لا بجسده فقط، بل بانتباهه ورغبته في التعلم. فيصبح الشعار الجديد: «اضغط هنا يحضر التلميذ!».