الهجرة غير النظامية كإنذار تنموي..كيف نحوّل إنكسار الثقة إلى قوة تغيير؟

الهجرة غير النظامية كإنذار تنموي..كيف نحوّل إنكسار الثقة إلى قوة تغيير؟

خالد مصباح/ فاعل حقوقي

إن ظاهرة الهجرة غير النظامية المعلنة والجماعية لم تعد مجرد خيار فردي للهروب، بل تحولت إلى رسالة احتجاجية صامتة صريحة تضع السياسات العمومية، والبرامج الترابية، وحكامة الوساطة الاجتماعية أمام مرآة الواقع.
​فعي لم تعد في صورتها الأخيرة مجرد مغامرة فردية بحثا عن آفاق اقتصادية أفضل، بل ارتقى هذا السلوك البشري المؤلم إلى شكل احتجاجي غير مسبوق، عبّرت من خلاله فئات متعددة من المجتمع، وفي مقدمتها الشباب، عن حالة من عدم الرضا العام عن الواقع المعاش.
​إن المشاهد المعلنة لنزوع الشباب نحو الهجرة تشكل إشارة قوية ودالة على تراجع مقلق لمنسوب الثقة، وتضع السياسات العمومية و المخططات والبرامج الترابية على محك المساءلة الأخلاقية والسياسية حول حجم اهتمامها الفعلي بالحق في العيش الكريم وتوفير فرص العدالة الاجتماعية.

​أولا : أزمة الثقة في علاقتها بالحكامة الترابية

​تظهر هذه الظاهرة بوضوح وجود فجوة عميقة بين الشعار المرفوع في البرامج التنموية وبين الأثر الفعلي على حياة المواطنين في المجال الترابي. إن اتساع دائرة القلق الاجتماعي لدى الشباب الصاعد ينبع من الإحساس بـ”الغربة التنموية” إن صح التعبير، حيث تشعر هذه الفئات الدقيقة بخصائصها ومطالبها بضعف آليات الإنصات والتفاعل مع انشغالاتها اليومية، حيث ​أن تراجع مؤشر الرضا العام ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو نتيجة تراكمية لتغييب البعد الإنساني والاجتماعي في التخطيط العمومي والترابي، حيث أن إقتصار بعض أشكال التدبير العمومي على حلول روتينية لم تعد قادرة على استيعاب تطلعات جيل جديد يمتلك أدوات مختلفة لتعبير عن الرفض والاحتقان.

​ثانيا : بين الحلول الترقيعية والتحول الإستراتيجي

​أمام هذه الصدمة المجتمعية، يقف صناع القرار ومختلف الفاعلين الترابيين والمدنيين أمام خيارين لا ثالث لهما، إما ​إعادة إنتاج الإجابات العابرة، أو الاكتفاء بالمعالجة الأمنية أو الحلول الترقيعية الظرفية، وهو خيار لن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وتغذية منسوب الغليان الاجتماعي، لتعود الظاهرة بمظاهر أكثر حدة وتعقيدا.
وبالتالي فأن هذه اللحظة المفصلية تقتضي، ​تحويل نقط الضعف إلى عناصر قوة وذلك باعتبار هذه الأزمة إنذارا عالي التردد، يدعو بالضرورة إلى مراجعة شاملة لأساليب التدبير العموني والترابي، وتأهيل النخب المحلية، وتفعيل آليات المشاركة المواطنة للشباب في صنع القرار الخاص بمستقبلهم.

​ثالثا : الذكاء الجماعي كمدخل لبناء الأمل

​إن الخروج من حالة التوجس وإعادة الثقة والأمان إلى نفوس المواطنين والمواطنات يتطلب تعبئة شاملة للذكاء الجماعي للمغاربة. هذا الذكاء لا يمكن أن يتبلور إلا عبر: تفعيل اليات المشاركة المواطنة، والتفعيل السليم ​للديمقراطية التشاركية، والإنصات العميق، وذلك بالانتقال من التواصل العمودي الفوقي إلى حوار ترابي أفقي ينصت لنبض الشباب، ويتفهم خصوصيات مطالبهم واحتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وكذلك، من خلال ​إعادة ترتيب الأولويات الترابية، من خلال وضع العدالة المجالية وتكافؤ الفرص في صلب البرامج التنموية، والقطع مع المشاريع التي لا تمس مباشرة جودة الحياة والحق في العيش الكريم.

​خلاصة وتوصيات نحو أفق إستباقي ومستدامٍ

​إن تحويل هذا القلق العام إلى طاقة بناءة ومطمئنة، يقتضي تحديد أبرز ملامح الخروج من الأزمة في الخلاصات والتوصيات التالية :
ـ  ​تجديد آليات الوساطة بإعادة الاعتبار لأدوار المجتمع المدني والفاعلين المحليين كصلة وصل حقيقية وغير صورية بين الساكنة وصناع القرار.
​ـ إصلاح هندسة البرامج الموجهة للشباب عبر إطلاق أدوات ترابية مبتكرة تستوعب الخصائص الدقيقة للشباب الرقمي والصاعد، مع التركيز على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي الفعلي والحقيقي الذي يضمن كرامة الانسان.
ـ مأسسة الإنصات التشاركي، عبر جعل تقييم الأثر الاجتماعي شرطا واقفا لكل السياسات الترابية والعمومية قبل إقرارها، وذلك لقياس مدى استجابتها لمؤشرات الرضا العام.
ـ ​استعادة الثقة بالممارسة الفعلية،حيث أن الشعور بالأمان الاجتماعي لا يستعاد بالوعود، بل بقرارات ملموسة تشعر المواطن بأن كرامته وفرصه في وطنه مكفولة ومحمية ومصانة.