من يقضي على الغش: الجهاز أم الضمير؟
الدكتورة رجاء صالحي
مع اقتراب الامتحانات، يعود القلق نفسه إلى المدارس والأسر وقاعات الامتحان. لم يعد الخوف فقط من صعوبة الأسئلة أو رهبة النتائج، بل من معركة أصبحت تكبر كل سنة: معركة الغش.
فالامتحان الذي يفترض أن يكون لحظة لقياس الجهد والاستحقاق، يتحول في بعض الأحيان إلى مواجهة مفتوحة بين وسائل مراقبة تتطور باستمرار، ووسائل غش تزداد ذكاء وخطورة. ففي كل موسم دراسي، نسمع عن تشديد الحراسة داخل مراكز الامتحان، ونسمع أيضاً عن أجهزة جديدة قادرة على رصد الهواتف والسماعات الدقيقة ووسائل الاتصال الخفية. ومؤخراً بدأ الحديث عن جهاز متطور يستطيع كشف وسائل الغش الإلكتروني داخل القاعات، وتحديد مصدرها بدقة، وتحليل اتصالات WiFi وBluetooth، والتنبيه الفوري لأي نشاط مشبوه، في محاولة لإغلاق المنافذ التي أصبحت التكنولوجيا تفتحها أمام الغشاشين كل سنة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل المشكلة فعلاً في نقص الأجهزة، أم في شيء أعمق من ذلك؟
لقد تغير الغش نفسه.
ومن خلال التجربة اليومية في هذا الميدان، يمكن القول ان التلميذ الذي يحاول الغش اختلف تماما عن ذلك الذي كان في السابق ، حيث كان هذا الأخير يدخل القاعة مرتبكاً وخائفاً، ينتظر لحظة غفلة من المراقب، ويعيش زمن الامتحان متوجساً من أن يُضبط في أي لحظة. كان يشعر في داخله أنه يقوم بشيء خاطئ. أما اليوم، ففي حالات كثيرة، لم يعد الغش يمارس كتصرف معيب، بل صار عند البعض حقاً يجب انتزاعه بكل الوسائل الممكنة.
ولهذا لم تعد بعض حوادث الغش تتوقف عند ضبط هاتف أو ورقة صغيرة، فقد أصبحت أخبار تهديد المراقبين أو الاعتداء عليهم أو تخريب سياراتهم تتكرر كل موسم تقريباً، وكأن بعض التلاميذ لم يعودوا يعتبرون المراقب مسؤولاً عن حماية نزاهة الامتحان، بل شخصاً يفوت عليهم فرصة النجاح.
والأخطر أن الغش نفسه صار يقدم أحياناً كنوع من البطولة.
فوسائل التواصل أصبحت تعج بعد الامتحانات بفيديوهات لتلاميذ يتحدثون بفخر عن طرق الغش داخل القاعات، وعن كيف تمكنوا من خداع المراقبين أو تمرير السماعات والهواتف. بعضهم يبحث فقط عن البوز وكأن الحديث عن الغش أصبح مادة للتفاخر لا للخجل.
وهنا يظهر حجم التغير الذي أصاب منظومة القيم.
فالأسر التي كان يفترض أن تشجع أبناءها على الاجتهاد والصبر، اصبح بعضها يشجع عليه ،وبعد ان كانت الأمهات تنتظر فلذات كبدها للاطمئنان على إنجازهم وعلى مدى تمكنهم من الاجابة الصحيحة، فتحوّل سؤال بعضهن اليوم من كيف كان الامتحان؟ إلى “واش قدرتي تغش؟” أو كيف كان المراقب؟ “واش كان ولد الناس وخلاكم تدوزو بخاطركم؟” بل إن البعض يدعو للمراقب لأنه سمح لهم بالغش، وكأن النزاهة أصبحت قسوة بينما التساهل صار نوعاً من الطيبة.
كنا نسمع قديماً على سبيل المزاح عبارة: من نقل انتقل، ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه. لكنها تبدو اليوم وكأنها تنبؤ يتحقق.
وما يحز في النفس، هو أن نجد أن من أتقنوا الغش حصلوا على نتائج مرتفعة وانتقلوا إلى مستويات أعلى، بينما تعثر آخرون رغم اعتمادهم على مجهودهم الخاص. بعضهم رسب، وبعضهم لم يحصل إلا على معدل متوسط، رغم شهور طويلة من السهر والتعب.
والأقسى أن بعض هؤلاء لا يندمون لأنهم لم يدرسوا كما يجب، بل لأنهم درسوا فعلاً ولم يغشوا.
وهنا يصبح الخلل أخطر من مجرد مخالفة داخل قاعة امتحان، لأنه يبدأ في تدمير معنى الاجتهاد نفسه داخل وعي التلميذ.
ما معنى أن يتعب الإنسان طوال السنة إذا كان يرى غيره يختصر الطريق بسماعة صغيرة أو هاتف مخفي؟
والمشكلة الكبرى أن الامتحان لا يرحم حتى المجتهدين الحقيقيين، بل ويخذلهم بعد ان اعدوا له العدة، وخلال مسيرتي المهنية عاينت وسمعت عن حالات بقيت محفورة في ذاكرتي…
فهذه تلميذة متفوقة اجتازت اليومين الأولين بثقة، وكانت ترى حلمها يقترب، قبل أن تكتشف صباح اليوم الثالث أنها أخطأت في توقيت اخر امتحان . وصلت متأخرة بساعتين،أبواب المركز موصدة ، فكانت تلك اللحظة كافية لانهيار سنة كاملة من التعب.
وأخرى تعرضت لحادث مفاجئ: عضة كلب، كانت كافية لينتهى بها الامر في قسم المستعجلات قبل أن تصل الي مركز الامتحان.
كما لا تنسى قصة ذلك التلميذ الذي غادر مركز الامتحان سعيداً بأدائه، قبل أن يكتشف في البيت أن ورقة التحرير ما تزال بحوزته، لتنتهي فرحته بحرمانه من متابعة باقي الاختبارات لأن حالته اعتبرت في محاضر الغلق خروجاً من الامتحان دون تسليم الورقة.
هذه القصص تذكرنا بأن الامتحان قد يعاقب أحياناً مجتهدين حقيقيين بسبب لحظة عابرة، بينما ينجح آخرون بوسائل غش أُعدت باحكام مسبق.
ومن بين القضايا التي تعكس هذا الإشكال وبحدة ربما أكثر، ما تعود تفاصيله إلى سنة 2014 بأكاديمية وجدة، حيث تم ترسيب توأم درستا معاً في نفس القسم وتحت إشراف نفس الأستاذ، واستعدتا للامتحان بنفس الظروف، كما أن تقارب تفكيرهما كتوأم يجعل تشابه الأجوبة أمراً طبيعياً. غير أنه تم اعتبار هذا التشابه دليلاً على الغش، فصدر قرار ترسيبهما.
وقد تحولت القضية لاحقاً إلى مسار قضائي انتهى ببراءتهما وإنصافهما وتعويضهما مادياً، بعد أن اضطرتا إلى إعادة السنة الدراسية. غير أن ذلك الإنصاف المتأخر لم يمح أثر التجربة وما خلفته من جرح نفسي عميق، ظل عالقا في الذاكرة رغم استرجاع الحق.
وتبقى هذه الواقعة، مثل غيرها، تطرح سؤال العدالة داخل الامتحانات: إلى أي حد يمكن للقرارات المرتبطة بتقدير الغش أن تُنصف المجتهدين فعلاً دون أن تُلحق ظلماً بغير المستحقين؟
لقد أصبح الغش اليوم أكثر تطوراً من أي وقت مضى.
لم يعد الأمر يتعلق بأوراق صغيرة مخبأة داخل الجيوب، بل بسماعات دقيقة وساعات ذكية وتطبيقات وذكاء اصطناعي قادر خلال ثوانٍ على حل المعادلات وكتابة المقالات بإحكام.
وهكذا تحولت بعض الامتحانات إلى سباق مفتوح بين وسائل الغش وأجهزة كشفه.
لكن الحقيقة الواضحة هي أن الأجهزة وحدها لا تكفي، وعلى أهميتها وضرورة تطويرها.
فقد تمنع التلميذ من الغش داخل القاعة، لكنها لا تمنعه من الغش في غير الزمان والمكان ، ما دام مبدأ الأمانة غائباً داخله. وإذا اختفت الوسائل الإلكترونية، فسيعود البعض إلى الوسائل البدائية.
لأن المشكلة في النهاية ليست مشكلة أدوات فقط، بل مشكلة ضمير أيضاً.
فالخوف من العقاب قد يمنع التلميذ من الغش داخل الامتحان، لكنه لا يصنع داخله الأمانة. الأخلاق الحقيقية تبدأ حين يرفض الإنسان الغش حتى عندما يكون قادراً عليه. وهنا نستحضر تصور الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي ربط الأخلاق بالواجب، لا بالخوف من العقاب أو انتظار المنفعة.
ولهذا فإن معركة المدرسة ضد الغش لا يمكن أن تُحسم بالتكنولوجيا وحدها مهما بلغت دقتها.
تستطيع الأجهزة كشف الهواتف والسماعات، لكنها لا تستطيع مراقبة الضمير. ولذلك فإن بناء مدرسة نزيهة لا يبدأ فقط من تحديث وسائل المراقبة، بل من إعادة بناء قيمة الاجتهاد نفسها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.
فمتى يصبح النجاح استحقاقاً حقيقياً؟ ومتى يعود التفوق ميزة للمجتهدين، والرسوب درساً لمن أهمل وتهاون، لا عقوبة لمن اختار الطريق النزيه؟
