نتائج الباك: تقويم الأداء أم تقييم الأبناء؟
الدكتورة رجاء صالحي
انتهت الامتحانات، وبقي الانتظار سيد الموقف في مختلف الحواضر والقرى المغربية. الكل يعيش حالة ترقب و قلق تلاميذ، أولياء أمور، وفاعلون تربويون، ينتظرون جميعا لحظة إعلان النتائج. اللحظة، التي يصنف فيها التلميذ بين مكرم ومهان، اللحظة التي ستتحقق فيها الأحلام أم ستتبدد، ستطمئن النفوس أم سترتبك وستفاجأ بما لم يكن في الحسبان. إنها لحظة حاسمة في المتخيل الجمعي، قد تجعل الحلم واقعا أو تضعه موضع مساءلة قاسية.
المشكلة الحقيقية هنا لا تكمن في النتائج ذاتها كأداة قياس تربوية، بل في طريقة تمثلنا لها داخل المجتمع. ففور صدور المعدلات، تطفو على السطح نفس المشاهد والمظاهر التي تتكرر كل سنة؛ فرح عارم وتباه مبالغ فيه في بعض البيوت، يقابله لوم وعتاب وجلد للذات في بيوت أخرى. وتبدأ منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات “الواتساب” العائلية في الاشتعال بمقارنات لا تنتهي بين زملاء القسم، وأبناء العائلة، والجيران.
هنا، يختزل مجهود عام كامل من السهر والتعب في معدل رقمي جاف، ويحاكم صاحبه أكثر مما يفهم، بل ويحاسب على نتائج الآخرين أكثر مما يحاسب على مجهوده الخاص ونقاطه الذاتية. ويتعزز هذا المنطق بفكرة راسخة في الوعي المغربي تعتبر البكالوريا بوابة حاسمة وحيدة للمستقبل، وكأن نتيجتها قادرة وحدها على رسم المصير وصناعة السعادة، لتتحول هذه المعدلات إلى ما يشبه أحكاماً مبكرة وجائرة على مسارات حياتية ومهنية لم تبدأ بعد فعليا.
حين نقترب أكثر من الواقع ومعاينة حالات لا يستهان بها تابعنا مسارها الأكاديمي عن قرب سواء بحكم القرابة او المهنة، يمكننا القول بشيء من الثقة أن النجاح في البكالوريا أو التعثر فيها لا يختزلان حياة الإنسان، ولا يحددان مساره المهني أو الاجتماعي بشكل نهائي. فهي مجرد محطة عابرة ضمن مسار أطول، واختبار محدود زمنيا ومكانيا، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يحتوي شخصية كاملة أو يحسم ما سيأتي لاحقا في بناء الفرد. لكن البكالوريا لازالت في نظر الكثيرين دليلا على “حسن التربية” والمؤشر الحقيقي والوحيد على النجاح مستقبلا.
وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من تضخيم هذه الصورة المشوهة، حين حولت لحظة إعلان النتائج إلى سباق محموم ونوع من “البوز” الاستعراضي لنشر المعدلات المرتفعة والاحتفاء الحصري بالأوائل، بما يجعل هذه اللحظة تحظى بما يفوق حجمها الطبيعي، وكأن مستقبل التلميذ وقيمته الإنسانية يتوقفان عليها وحدها.
وفي مقابل هذا الهوس الرقمي، تنبه المقاربات التربوية والنفسية الحديثة إلى خطورة اختزال النجاح في التحصيل الدراسي وحده وإغفال الأبعاد الأخرى التي تسهم في بناء شخصية الإنسان وتوازنه. فالواقع يظهر باستمرار أن التفوق الأكاديمي لا يحمي صاحبه بالضرورة من القلق المزمن أو صعوبات التكيف والاندماج في المدارس العليا والمعاهد بعد ذلك، مما يؤكد أن البكالوريا، كغيرها من الامتحانات التقليدية، لا تقيس سوى جزء يسير وضيق من قدرات التلميذ. في حين تبقى الجوانب الحيوية الأخرى حاسمة في بناء المسار الإنساني والمهني خارج دائرة الأرقام؛ مثل الذكاء العاطفي، والقدرة على التواصل السليم، وبناء العلاقات الإنسانية السليمة وتحمل المسؤولية، والتكيف المستمر مع المتغيرات، وإدارة الضغوط والإخفاقات. وهي كلها عناصر ومهارات ناعمة لا تظهر في ورقة الامتحان، لكنها في الغالب هي التي تصنع الفارق الحقيقي لاحقا في معترك الحياة.
بالطبع لا أحد يجادل في قيمة النجاح الدراسي ومكانته، لكن المعدل مهما ارتفع لا يختصر صاحبه ولا يمنحه صك الكفاءة الشاملة الصالح لكل المجالات.
المحاسبة أمر مهم والتقييم ضروري، لكنها في الحقيقة ينبغي أن تتجه نحو الجهد المبذول والالتزام طيلة السنة، لا نحو النتيجة النهائية وحدها. فالمعدل هو في نهاية المطاف حصيلة عوامل متعددة ومتداخلة: منها شروط الامتحان، ودرجة التوتر، وطبيعة الأسئلة، وحتى ظروف ومزاجية المصحح، خاصة في الفلسفة و المواد الأدبية التي قد تحتمل احيانا التأويل والتقدير الذاتيين.
وقد يبذل بعض التلاميذ جهدا استثنائيا طوال السنة، دون أن تعكس النتيجة النهائية ذلك بشكل كامل لسبب أو لآخر، فليس كل نجاح باهر دليلا على أقصى ما يمكن تقديمه، كما أن كل تعثر لا يعني بالضرورة تقصيراً أو كسلا. لذلك يظل من الأعدل تربويا تقييم المسار والجهد لا الرقم المحصل، دون تحويل ذلك إلى حكم قطعي على قيمة التلميذ أو جعله شرطاً لنيل الحب والتقدير الوالدي.
إن الأبناء في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة لا يحتاجون إلى حب مشروط بمعدلات أو ترتيب، بل يحتاجون إلى أسرة واعية ترى في كل واحد منهم مشروع إنسان متكامل، لا مجرد رقم أو رتبة. وعندما يكون تقديرنا للأبناء أوسع من النتيجة، وحبنا لهم لا مشروطا و سابقا على أي حكم خارجي، يصبح النجاح ثمرة طبيعية لمسار تعليمي ونفسي متوازن، لا تأشيرة للقبول والاعتراف، و حين تترجم القيمة الإنسانية بكل أبعادها الى لغة الأرقام، فقد نربح نتائج جيدة، لكننا نخسر حتما ما هو أعمق، نفقد شعور أبنائنا بأنهم مقبولون كما هم لذواتهم مهما كانت معدلاتهم.
وهكذا، فإن طريقة عيش لحظة الإعلان عن نتيجة الباك وما يرافقها من مواقف الدعم أو الخذلان، التفهم أو اللوم والعتاب، هي ما تطبع في الذاكرة وما يبقى محفورا فيها، بعد أن يطوي النسيان باقي التفاصيل…
حياة الإنسان أعمق وأعقد من أن تحصر في محطة واحدة، إنها حياة غنية بالتجارب تقبل الربح كما تقبل الخسارة…فمن تعثر في معركة البكالوريا لم يخسر حرب الحياة؛ فالأفق ما زال مفتوحا، والفرص لم تُستنفد بعد، والأحلام تبقى دائما مشاريع قائمة وممكنة للتلميذ الذي يجد السند الحقيقي في بيته.
