​السلوك المدني والفضاء العام بابن جرير: أية مقاربة لتجاوز الوضع الحالي؟

​السلوك المدني والفضاء العام بابن جرير: أية مقاربة لتجاوز الوضع الحالي؟

خالد مصباح/ فاعل حقوقي

​تعيش مدينة ابن جرير على وقع حالة غير مسبوقة من التدهور البيئي والاجتماعي، باتت معها مظاهر الاعتداء على الطبيعة والإنسان تشكل قلقا حقيقيا يهدد السكينة العامة. ولم تعد أحياء المدينة والشوارع بمنأى عن الانتشار الملفت للنفايات المنزلية وغيرها، في مشهد يسيء للمنظر العام وينعكس سلبا على جودة الحياة، وهو الوضع الذي يشكل عائقا حقيقيا أمام تملك الساكنة للحق في المدينة؛ باعتباره شرطا واقفا يكفل العيش في مجالات ترابية ولوجة، آمنة، وضامنة لقواعد العيش المشترك.
​وارتباطا بهذا المشهد البيئي المأزوم، يسجل الملاحظ العادي تأخرا ملموسا في التدخل لإصلاح الأعطال المتكررة التي تصيب شبكة قنوات الصرف الصحي المهترئة أصلا، مما يعمق حجم الكارثة ويشكل خطرا داهما على الصحة العامة للساكنة.
إن أي مشروع لتأهيل حواضرنا يجب أن ينطلق بالأساس من العناية بالنظافة وصيانة البنية التحتية، تفعيلا للحق في بيئة سليمة كما تنص على ذلك المقتضيات الدستورية ببلدنا والمواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان التي صادق وأنضم عليها المغرب.
​بيد أن الهشاشة البيئية في ابن جرير ليست إلا وجها واحدا لعملة التراجع؛ إذ يتلازم هذا التدهور مع انفلات مقلق في شروط السلامة البدنية والأمان الشخصي داخل الفضاءات العامة، فقد تحولت الساحات والحدائق إلى أماكن تفتقر للأمان، ولعل الواقعة الأليمة التي تعرضت لها الطفلة “إسراء” بمدينة ابن جرير، إثر اعتداء جنسي فظيع في واضحة النهار هز وجدان الرأي العام المحلي والوطني، ما يطرح أسئلة وجيهة حول التغطية الأمنية، ويجعل الأسر تعيش حالة من التوجس والقلق الدائمين خوفا على سلامة أبنائها وبناتها.
​ويعزى هذا الإحساس المتنامي بانعدام الأمان إلى غياب المعايير والحدود الدنيا المتفق عليها دوليا لتأهيل الفضاء العام؛ وفي مقدمتها ضعف الإنارة العمومية، وغياب المراقبة الأمنية والتقنية الدقيقة، من قبيل تثبيت كاميرات المراقبة في المنتزهات والساحات التي تقصدها العائلات للترويح عن النفس.
إن توفير هذه الشروط يعد مدخلا إلزاميا لاسترجاع المواطنين لثقتهم في الشارع العام واطمئنانهم على ذويهم.
​ولا تقف هذه الاختلالات عند حدود الشوارع الكبرى والمركزية، بل تمتد لتلقي بظلالها على عمق الأحياء الشعبية، التي باتت تعاني من فوضى عارمة يرنكبها أشخاص معروفون بترويعهم الدائم للساكنة، وذلك في ظل غياب إجراءات زجرية صارمة لتجفيف منابع هذا الانفلات، حيث أصبحت العديد من الأسر تعيش قلقا مزمنا، بل إن كثيرا منها بات يفكر جديا في تغيير مقرات سكنها، وهو خيار مستعص يصطدم بضعف إمكانياتها المالية والاجتماعية.
​إن استعادة الشعور بالأمان والكرامة يقتضي بالضرورة، تفعيل المفهوم الشامل للحق في المدينة، عبر جعل السلامة الجسدية والأمان الشخصي والبيئي حقوقا غير قابلة للتفريط أو التأجيل، وهو مسار لن يتأتى إلا بتبني برامج ترابية دامجة تستحضر مقاربة النوع الاجتماعي، والمقاربتين الحقوقية والبيئية، للوصول إلى مدينة حقيقية، دامجة، وقادرة على رفع تحدياتها البنيوية.

وهذه ​خلاصات وتوصيات موجهة إلى من يهمهم الأمر كل من: ​(المجلس الجماعي، السلطات المحلية والأمنية، والمجتمع المدني بابن جرير)، وذلك ​من أجل صياغة مقاربة حقيقية تتجاوز هذا الوضع المقلق، لذلك ولأجله نضع بين أيدي الجهات الوصية التوصيات الاستعجالية التالية :
1_ ​إلى مدبري الشأن المحلي وذلك بالعمل على :
_ ​تجويد قطاع النظافة عبر تفعيل آليات مراقبة صارمة لجمع النفايات المنزلية وتدبير الحاويات بالتساوي بين كافة الأحياء؛
_ ​إعادة هيكلة البنية التحتية عن طريق الإسراع بصيانة شبكات الصرف الصحي المهترئة لوقف الأضرار الصحية والبيئية المحتملة؛
_ ​تأهيل الإنارة العمومية عبر تعميم الإنارة الكافية في كل الشوارع الرئيسية، الأزقة، والحدائق باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الجريمة والتسيب؛
_ القضاء على الفضاءات المهجورة في مختلف الأحياء باعتبارها مرتعا لارتكاب الجريمة.
2_ ​إلى السلطات الأمنية والمحلية والترابية، وذلك بالإسراع بما يلي :
_ ​تفعيل المراقبة التقنية والميدانية وذلك بتثبيت كاميرات المراقبة في النقط السوداء والساحات، وتكثيف الدوريات الأمنية الراكبة والراجلة، خاصة في محيط المؤسسات التعليمية وعمق الأحياء الشعبية.
أما فيما يخص ​المقاربة الزجرية الحازمة فيجب الحرص على :
_ التصدي بحزم لمظاهر الترويع والبلطجة داخل الأحياء وتجفيف منابع الانحراف لتأمين حياة الساكنة وجعل هذه الفضاءات السكانية مسقرة وآمنة .
3_ ​إلى صانعي القرار الترابي الحرص على تفعيل :
_ ​إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والمقاربة الحقوقية والبيئة في مختلف مفاصل التخطيط الترابي؛
_ تصميم المرافق والحدائق المستقبلية بناء على معايير تضمن أمان واستقلالية النساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة؛
_ تفعيل آليات ​الديمقراطية التشاركية لضمان مشاركة مواطنة عبر :
مأسسة الآليات التشاركية للحوار والتشاور، وجعلها إحدى مرتكزات التخطيط الترابي الفاعل والناجع؛
_ خلق قنوات مؤسساتية دائمة للإنصات لشكاوى الساكنة سهلة الولوجة ومعروفة في اوسطاها؛
_ جعل المجتمع المدني شريكا إستراتيجيت في تدبير الأمن البيئي والمجتمعي للمدينة.
_ ويخصوص الأدوار الموكولة الى المجتمع المدني في هذا الباب، أقترح أربع توصيات مركزية أعتبرها دقيقة ومحددة موجهة إلى كل فاعلي المجتمع المدني المحلي، بهدف تعزيز السلوك المدني في الفضاء العام وتجاوز التحديات الحالية عبر مقاربات تشاركية وميدانية :
​1_ إطلاق ميثاق السلوك المدني بمدينة ابن جرير في الفضاءات المشتركة، عبر آلية للتنسيق تتمثل في ائتلاف مدني يضم مختلف الجمعيات المحلية لإعداد “ميثاق مواطنة” مبسط يحدد حقوق وواجبات المواطن داخل الفضاء العام (كالحدائق، الساحات العمومية، ومحيط المؤسسات التربوية والتعليمية…)، وذلك بهدف الانتقال من التشخيص والشكوى والتظلم، إلى مأسسة السلوك المدني، وتحويل هذا الميثاق إلى مرجع أخلاقي يتم التوعية به عبر وسائط رقمية وجداريات فنية تعزز الهوية المحلية لمدينة ابن جرير.
​2_ تفعيل “الوساطة المدنية” في الأحياء والأسواق المحلية، وذلك عبر آلية تشكيل لجان أحياء مرنة من الكفاءات الشابة والفاعلين الميدانيين للعب دور “الوسيط المدني”، والذي يتوخى منه معالجة السلوكات السلبية، مثل :
_ رمي النفايات بشكل عشوائي أمام المنازل وفي الساحات العمومية؛
_ احتلال الأرصفة والملك العام، أو التلوث السمعي، عبر الحوار المباشر والتحسيس داخل الأحياء، وتجنب المقاربات الزجرية الجافة بروح تعتمد على “التثقيف بالنظير” والقرب من الساكنة.
​3_ إحداث “مختبرات السلوك المدني” بالمؤسسات التعليمية والشبابية، وذلك عن طريق الشراكة مع المؤسسات التعليمية والمركز الثقافية ودور الشباب بالمدينة، لتأسيس نوادي تفاعلية تعتمد على محاكاة الفضاء العام، بغاية إستهداف فئات الأطفال والشباب عبر ورشات تطبيقية ومسرح الشارع، لترسيخ قيم المحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الآخر، ومناهضة مظاهر العنف والاعتداء في الفضاءات المشتركة، باعتبار الناشئة هم الرافعة الأساسية لتغيير الوضع الحالي.
​4_ الترافع الرقمي والتوثيق الإيجابي للمبادرات المواطنة، بإطلاق حملات تواصلية منسقة على منصات التواصل الاجتماعي تحتفي بالنماذج الإيجابية
والمبادرات الناجحة في المدينة (كتكريم عمال النظافة، أو توثيق تزيين حي معين، أو مبادرات تشجير بعض الساحات أو الاماكن العامة…)، بهدف كسر الصور النمطية السلبية السائدة، والتحفيز على الغيرة المحلية على المدينة، وتحويل التكنولوجيا إلى أداة رقابة مدنية إيجابية تشجع على الامتثال التلقائي للسلوك المواطن.
قال الله تعالى على لسان نبيه شعيب لقومه: “قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ” صدق الله العظيم.