هشام غزولي..الإنصات يسبق القرار والهدوء في مواجهة أعطاب التعليم
محمد تكناوي
هناك من يلهث وراء الضوء ليُرى، وهناك من يشتغل في الظل ليُرى أثره. وبين عطش الظهور وهدوء الإنجاز، يظل العمل وحده هو الحَكَم الذي لا يجامل.
في الرحامنة، حيث الملفات أثقل من الخطب، والانتظارات أكبر من الوعود، اختارت الإدارة الوصية على قطاع التعليم أن تراهن على وجه من وجوهها الهادئة. هشام غزولي، المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، منذ ما يقارب سنة ونصف، لم يأتِ عابرا، بل جاء محملا بسيرة تشبه المدرسة التي ينتمي إليها، سيرة تبدأ من الفصل وتنتهي بقلب المنظومة.

تَشكّل وعيه المهني داخل القسم أولا، حيث يتعلم الإنسان معنى الرسالة قبل معنى الوظيفة، ثم نضجت رؤيته كمفتش تربوي يرافق الممارسة و لا يحاكمها، وينير الطريق لا يقطعه. وبعدها في قلب الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش- آسفي، على رأس مصلحة ليست ككل المصالح، مصلحة التربية الدامجة. وهي ليست مصلحة أرقام ومساطر، بل هي مصلحة تقاس بمعيار الإنسان لا بمعيار الملف، تتعامل مع الهشاشة في أرقى تجلياتها، وتدافع عن حق كل طفل في أن يجد له مقعدا داخل الحياة قبل أن يجده داخل القسم. هناك، تعلم لغة أخرى للإدارة، لغة الإنصات العميق.
ولأن هذه التجربة لم تكن إدارية فقط، فقد توجت بتنسيقه الجهوي لمشروع هام مع منظمة اليونيسيف. مشروع لم يبق حبيس التقارير، بل نزل إلى عمق المغرب المنسي. هناك، في الدواوير البعيدة بالحوز والمسالك الوعرة بشيشاوة، تحقق الكثير: فتيات قرويات عدن إلى مقاعد الدراسة بعد أن كادت العادات والمسافة أن تسرقهن منها، وخدمات توعوية ونفسية وصلت لأول مرة إلى تلميذات وتلاميذ كانوا يظنون أن المدرسة هي فقط جدران وأقسام.
ومن عرف هشام غزولي من بعيد قد يحسبه متحفظا، قليل الكلام. لكن من اقترب منه واشتغل معه في لحظات الشدة، يدرك أن خلف هذا التحفظ قلبا كبيرا. وقد كانت فاجعة زلزال الحوز هي المرآة التي عكست هذا الوجه كاملا. هناك، لم يكن المدبر الإداري وحده حاضرا، بل كان الإنسان. تدفق صادق، إنصات يسبق القرار، واحتواء يسبق المسطرة.

تلك هي معادلته: أن يدير الاختلاف دون أن يصنع خصوما، وأن يمسك بزمام الملفات دون أن يرفع صوته، وأن يستبدل منطق الصدام بمنطق الجسر، حيث يلتقي الجميع للنهوض بالمدرسة العمومية.
الرحامنة اليوم لا تبحث عن مسؤول يتقن فن الظهور، بل تبحث عن من يتقن فن الحضور.
إن المناصب في آخر المطاف محطات عابرة، وكراسٍ نمر عليها ويمر عليها غيرنا. لكن هناك رجال يمرون على المنصب فيتركوا أثرهم، وهناك مناصب تمر على الرجال فلا تترك فيهم إلا الغرور. وهشام غزولي من الصنف الأول.
أعرف الرجل جيدا، واشتغلت معه عن قرب، وأعرف أن ما سيبقى له بعد انتهاء المهمة ليس القرارات التي وقعها، بل تلك الفتاة التي عادت إلى المدرسة بفضله، وذلك التلميذ في دوار ناءٍ وجد أخيرا من يصغي إليه.
مكانك السيد المدير الإقليمي دائما في المقدمة، ليس بضجيج الخطى، بل بصدق الأثر.
