عندما يُضرَب المدير..من يعلّم المغاربة؟

عندما يُضرَب المدير..من يعلّم المغاربة؟

محمد تكناوي

لم تكن الصورة القادمة من مديرية آسفي عن تعرض مدير ثانوية ابن عباد الإعدادية، الخميس 8 أكتوبر الجاري، لاعتداء داخل أسوار مؤسسته، مجرد مشهد عابر في مؤسسة تعليمية، بل كانت شهادة دامغة على جرح أعمق من تلك الإصابة التي تعرض لها المدير، جرح في جسد المدرسة العمومية نفسها، وفي كرامة الإدارة التربوية، وفي فكرة الدولة التي يفترض أن تحمي من يمثلها داخل أسوار المدرسة قبل أن تحمي جدرانها، وهي الواقعة التي أعادت النقاش حول تنامي مظاهر العنف داخل المؤسسات التعليمية، وما يرافقها من مخاوف بشأن سلامة الأطر الإدارية والتربوية وضرورة توفير الحماية اللازمة لضمان أداء مهامها في ظروف تحفظ كرامتها وهيبتها.

المدير في كل الأمم ليس موظفا عاديا يذهب إلى عمله ويعود منه، بل هو الحارس الأمين للمؤسسة، والمهندس الصامت لتوازنها اليومي، على كتفيه تقوم هيبة المدرسة، ومن مكتبه يبدأ الانضباط. فكل منظومة تعليمية عظيمة في التاريخ بدأت من لحظة احترمت فيها مديرها، وأدركت أن المدرسة ليست مبنى، بل مشروع دولة، وأن المدير ليس مجرد إداري، بل صانع لمناخ التعلم.

لكن المشهد في المغرب اليوم يروي حكاية مختلفة ومؤلمة. فالمدير الذي كان يوما رمز الوقار والهيبة، وكنا ننطق اسمه مقرونا بـ “السيد المدير” بكل احترام، أصبح في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف في سلسلة مجتمع تتآكله الفوضى. لم تعد الإدارة حصنا آمنا، ولم يعد المدير محاطا بتلك القدسية التي كانت تحيط به في الذاكرة المغربية القديمة، حين كان الآباء يوصون أبناءهم بأن يحترموا إدارة مؤسستهم كما يحترمون بيوتهم.

اليوم، تكشف واقعة آسفي أن المعادلة قد انقلبت. فبدل أن يحمل المدير ملفاته ليخطط للدخول المدرسي ويحل مشاكل الأقسام والأساتذة والتلاميذ، وجد نفسه ضحية اعتداء وحشي لا يليق إلا بزمن فقد بوصلته الأخلاقية، داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون أكثر الأماكن أمنا.

وليس هذا المشهد حادثة فردية فحسب، بل هو انعكاس لخلل عميق في منظومة القيم وفي سياسات طويلة لم تمنح الإدارة التربوية ما تستحقه من عناية. فحين تغيب الرؤية الحقيقية لبناء الإنسان، يصبح التدبير الإداري هامشيا في حسابات المنظومة، ويصبح المدير مكشوف الظهر أمام مجتمع تتنازعه مظاهر العنف وتراجع الاحترام.

وهكذا يتسلل الخراب بصمت.
جيل يتجرأ على إدارة مؤسسته.
ومدارس تفقد هيبتها.
ومديرون يواجهون الإهمال والضغط والعنف في آن واحد.

وفي ظل هذا الواقع، تتشكل صورة قاسية لمجتمع ينقسم شيئا فشيئا؛ نصفه يقترب من فوضى القيم، والنصف الآخر تبتلعه ثقافة العنف التي تحل محل القانون والحوار والتربية. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الاعتداء على المدير حادثة صادمة، بل يصبح عرضا من أعراض مرض اجتماعي أكبر.

إن احترام المدير ليس قضية فئة إدارية، بل قضية وطن بأكمله. فالدول التي تهين مدير مدرستها إنما تهين عقلها التنظيمي، وتفتح الأبواب أمام مستقبل أكثر ظلاما. أما الدول التي ترفع مكانة مديرها، فإنها ترفع معها سقف الانضباط والمعرفة والوعي.

هذه الواقعة ليست مجرد إهانة لرجل واحد، بل هي إهانة للإدارة التربوية المغربية كلها.

وإذا لم يُعاد الاعتبار للمدير، فسيبقى السؤال معلقا في ضمير الوطن: من سيُعلم المغرب…إذا كان مدير مدرسته نفسه بلا حماية ولا كرامة؟